إننا إذا ما نظرنا إلى حياتنا عامة فإننا نجدها من ناحية هي شريط تلك القطع المتساوية من الزمن التي نسميها الأيام. وإذا نظرنا إلى اليوم، أقسامه وأجزائه، فإننا نجد أنه مجموع الثواني والدقائق التي تمر علينا دون أن نلقي لها بالا، وتجلى لنا أن ما نسميه “حياة” ” ما هو إلا مزيج ذلك الزمن بمجموع أفعالنا وأقوالنا. فما الرابط إذن بين أعمارنا وأعمالنا؟
علاقة النسبية بين الزمن والعمل/الفعل
إن مفهوم الحياة وأصلها مرتبطان بالحركة، والحركة موصولة بالعمل، والعمل هنا كل صنيع يصنعه الإنسان أو كل فعل يفعله، ولا يخلو يوم من أيام الإنسان من أفعال يفعلها سواء من باب الضرورة كالنوم والقيام منه والاغتسال والأكل والشرب وما يليه، أو الكتابة أو المشي وغيره مما يداوم المرء على فعله في مواقيت يعَينها لذلك. فالعمر يحكمه الزمن، وأفعال المرء ليست بخارجة عنه وإنما هي فيه وعبره. وبذلك فتكرار الفعل عبر الزمن يجعله عادة، وكذلك المداومة على العادة تجعلها جزءا من الحياة. لهذا فإن الزمن في علاقة نسبية مع الأفعال.
العادة في حياة الإنسان
العادة هي الحالةُ التي تتكرَّر مرارا على نهج واحد يوما بعد يوم مما يجعل الإنسان يأنس إليها ويألفها حتى يصبح فعلها عنده يسيرا بلا جهد ولا تكلف. وكون الإنسان كائنا يعتاد هو في الأصل نعمة أنعمها الله عليه تيسر عليه السلوك في سبل السلام وتعينه علي الهدوء والاستقرار روحا وعقلا. فهو في حاجة إلى هذا الاستقرار ليستطيع مواجهة تقلبات الأيام والأحوال. فالصلاة مثلا، بمواقيتها الدقيقة هي الهيكل الروحي والزمني الذي تقوم به الحياة، فهي ترتب زمن الإنسان ترتيبا ربانيا عجيبا. وهذا الترتيب هو حجر الأساس في بناء النجاح الدنيوي و الأخروي. فاستقرار الإنسان على عادات سليمة يبعثه على الطمأنينة، فيصفو ذهنه وتدق مواقيته وتنتظم حياته. وإن من أسوأ انعكاسات اختلال هذا الميزان الزمني هو وقوع المرء في براثم الفوضى التي تكون باعثا على الكسل والخمول الروحي وتدفع به بل وتسوقه سوقا إلى الغفلة ونسيان قيمة الزمن.
إن تعاقب الزمن على الإنسان يجعله يعيش في حلقة من العادات. فالعادة مشتقة من العود إلى الشيء مرة بعد أخرى، وهي الحالةُ التي تتكرَّر مرارا على نهج واحد. (المعاني الجامع، مادة عادة) وتكرر أعمال المرء يوما بعد يوم يجعله يعتادها ويألفها حتى يصبح فعلها عنده يسيرا بلا جهد ولا تكلف. وكون الإنسان كائنا يعتاد هو في الأصل نعمة أنعمها الله عليه ليسلك سبل السلام ويهدأ ويستقر روحا وعقلا. فهو في حاجة إلى هذا الاستقرار ليستطيع مواجهة تقلبات الأيام والأحوال. فالصلاة مثلا، بمواقيتها الدقيقة هي الهيكل الروحي والزمني الذي تقوم به الحياة، فهي ترتب زمن الإنسان ترتيبا ربانيا عجيبا. وهذا الترتيب هو حجر الأساس في بناء النجاح الدنيوي و الأخروي. فاستقرار الإنسان على عادات سليمة يبعثه على الطمأنينة، فيصفو ذهنه وتدق مواقيته وتنتظم حياته. وإن من أسوأ انعكاسات اختلال هذا الميزان الزمني هو وقوع المرء في براثن الفوضى التي تكون باعثا على الكسل والخمول الروحي وتدفع به بل وتسوقه سوقا إلى الغفلة ونسيان قيمة الزمن. الذي هو الرابطة الكبرى بينه وبين خالقه، وبالتالي هدفه الأسمى في الحياة عامة.
هدف الإنسان الأسمى وكيفية بناء العادات الحسنة
إن هدف ابن آدم في الحياة هو عبادة الله جل في علاه، وإن سيره في جادة الحياة لا يستقيم إلا بمعرفة هدفه منها معرفة تامة، ومعرفة الهدف (عبادة الله) تستدعي أن يكون الإنسان على بصيرة من عواقب أعماله (أي يعرف العمل الذي يعينه على العبادة من العمل الذي يحيد به عنها)، ولا تستقيم الأعمال إلا بالعادات الحسنة. وللتعود بالعادات الحسنة، فحري بالمرء الانتباه أشد ما يكون الانتباه إلى أفكاره. إذ إن كل ما يعرض على الإنسان في يومه وليلته من أصوات وصور وأعمال، هي أفكار تزرع في تربة نفسه. فحواس الإنسان الخمس هي مستقبلاته الحسية لكل ما هو معنوي وروحي وفكري، والمادة فيه متعلقة أيما تعلق بالجوهر. إن الفكرة كالبذرة إذا زرعت في نفس الانسان نمت إلى عمل، وإذا صارت عملا صار أيسر على الإنسان أن يكررها، فإن كررها مرة بعد مرة اعتادها، فإذا اعتادها تطبع بها فصارت طبعا فيه، وهكذا هو الحال في الخير والشر. والعادات الحسنة في أصلها أفكار حسنة، بدأت بكلمة طيبة أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ثناء على خير أو ذم لشر أو حث على فائدة، أو دفع لضرر، فاستقرت في تربة العقل كالبذرة ثم نمت ونبتت نباتا حسنا حتى إذا اشتد عودها أزهرت وازدهرت في النوايا، ثم صارت ثمرة في الأعمال، ثم نضجت تلك الثمرة وانتفع منها الناس، وسقط ما سقط منها إما لينفع الجذور أو لتبذر نواته بلا جهد فتنبت شجرا ربما كان أعظم نفعا وأورف ظلالا من أصله، والحس كالمعنى. ف”الْخَيْرُ عَادَةٌ، وَالشَّرُّ لَجَاجَةٌ، وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ”. )البخاري : 71(
ف”الشر لجاجة” لما فيه من العوج وضيق النفس والكرب، و”الخير عادة” لعود النفس إليه وحرصها عليه من أصل الفطرة. (المناوي : “فيض القدير” 3/510 ) وأكثر ما تستعمل العرب العادة في الخير وفيما يسر وينفع. (أنظر “شرح الشهاب” للعامري) فمن لم يكن في أصل الفطرة جوادا مثلا فيتعود ذلك بالتكلف، ومن لم يخلق متواضعا يتكلفه إلى أن يتعوده، وكذلك سائر الصفات يعالج بصدها إلى أن يحصل الغرض، وبالمداومة على العبادة ومخالفة الشهوات تحسن صورة الباطن. (أنظر “الاحياء” للمناوي)
العبرة في العمل ليست بالكثرة ولكن بالمداومة
ولا ينبغي للإنسان العاقل أن يكلف نفسه في الخير فوق ما تطيق، فالعادة الحسنة التي تدوم مع صاحبها حتى آخر عمره خير من العادة التي يتكلفها فتكون سببا في وفتوره وانقطاعه عن الخير. قال النبي الكريم عليهِ صلوات الله وسلامه: “يَـا أَيُّهَا النَّاسُ، خُـذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ”. (البخاري :5861) فالقليل الدائم إذن خير من الكثير المنقطع، والنفس صعبة المراس وشديدة التفلت وسريعة الملل، ولذلك فإن تعويدها العادات الحسنة من أكبر أسباب الفلاح، ولا يكون ذلك إلا بإقامة الوزن بالحق بين عادات الدين و الدنيا والمزج بينهما قدر المستطاع. فنية المؤمن خير من عمله، وياحبذا لو ينوي الإنسان كل أعماله، صغيرة كانت أو كبيرة، لله. فهو بذلك يكون كمن حاز خيري الدنيا والآخرة، ورمى عصفورين بحجر واحد.
الصبر والثبات أساس النجاح
ويجدر بمن يجتهد في تربية نفسه وتعويدها الخير أن يصبر ويثبت ويعلم أنه في جهاد مع نفسه. فمن ثبت نبت، وكُلُّ من سارَ على الدَّربِ وصَلَ. والعادة في الإنسان مرآة لما يستقبل من أيامه، فمَنْ شَبَّ على شيء شابَ عليه ومن أشرقت بداياته أشرقت نهاياته.